الفيدرالية ام الفوضوية:

إن في الاتحاد مثل تعرفه تقريبا جميع شعوب العالم-المتحضرة منها والبدائية-،ألا وهو مثل وصاية الأب لأبنائه بعد وفاته: ( يقول المثل كان هناك في الزمن الغابر أبا يعيش federalism-621x309في قرية، حياة أسرته تعتمد على النشاط اليومي-رزاعة،صيد الحيوانات البرية أو رعي قطعة من الماشية-ولما تقدمت به السن أراد ان يترك لأولاده بعد وفاته كنزا لا يفنى يكون سندهم في الشدة،فدعاهم يوما فأطال التفكير وهم جلوس حوله ولم ينبس ببنت شفرة عدة دقائق فتهامس الأبناء:ما بغية أبينا اليوم من هذا اللقاء والصمت الطويل؟!

،ولكن لم يطل الانتظار حيث كسر الاب حبل الحيرة قائلا يا أبنائي أريد أن أختبر بكم اليوم في قوتكم،فأعطى كل واحد منهم عصا متوسطة الحجم فأمر بكسر كل واحد منهم بعصاه،فتسارعوا محطمين الأعصية الموجودة في أيديهم وبمنتهى السهولة،بعدها جمع الأعصية فناولها إليهم واحدا تلك الآخر فلم يكن بمقدور أحدهم حتى تثنيتها ناهيك عن كسرها،فقال لهم الأب:-يا أبنائي الاعزاء عندما لم تقدروا كسر الأعصية المجتمعة هي معنى الوحدة واجتماع الكلمة،وعندما كسرتم بالسهولة فذلك معنى التفرق،فباجتماعكم لا يقدر الغير كسر شوكتم لكن بافتراق كلمتكم يسهل افتراسكم-..).ومثلا شبيه بهذا تحيك شعوب أخرى نفس القصة بثوب ثيران مختلفة الألون وأسد في غابة واحدة حيث يستدرج الاسد لافتراسهم فتنطلي عليهم حيلته بتفريق كلمتهم….

لكل قصة حديث وحديث قصتنا مأساة أمة بأكملها التي ابتليت بافتراق الكلمة والشتت في القارات دون الرجوع أو النظر إلى الوراء وبحث ما يجمعها قبل الخوض فيما يفرق بينها…مأساة الأمة الصومالية في هذا القرن ونهاية القرن العشرين المنصرم…

باختصار شيديد فالأمة الصومالية كانت تعيش وبقرون غابرة في القرن الأفريقي زمن الفراعنة والأغارقة والفرس والصين والهنود القدامى وكانت لهم علاقات تجارية محفوظة الآثار حتى الآن في متاحف بعض الدول الآنفة الذكر مثل مصر…وفي القرون الوسطى- القرون الإسلامية- كانت الصومال حاملة الراية الاسلامية في القرن الأفريقي إلى أن جاء الاستعمار نهاية القرن التاسع عشر فقسمها وفقا لمذهبه القديم-فرق تسد-قسمها إلى مقاطعات خمسة يدار كل واحد منها عن طريق دولة مختلفة اللغة والثقافة لتفترق الأمة الصومالية غلى مشارب مختلفة.

…لكن الاستعمار وان استطاع تقسيم الأراضي فيما بينه لم يستطع جحز روابط الأسر الرعوية الصومالية التي كانت تهاجر أو ترحل من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب طلبا للمرعى أو لحاقا ببنوعمها في تلك الاصقاع فقلل هذا الحواجز الاستعمارية وزاد اللحمة الدموية للأمة الصومالية أيام الاستعمار،فجاءت-والحالة هذه- رياح التغيير والحرية في منتصف القرن العشرين رافعة لواء الحرية والوحدة لجميع أبناء الصومال فظهر في الأوساط الأكاديمية والصحافية مصطلح(الصومال الكبرى The Greater Somalia)،وهو ما أصبح شعار الدولة الوليدة من تلكم الأنشطة-دولة الصومال في عام 1960م-،ولكن الدولة ذاتها أصبحت ضحية لذلك المصطلح-كما يرى البعض-؛إذ لم تستطع إدارة الملف بحكمة ففقدت الموجود بدلا من أن تكسب المفقود وتركت البيت شاغرا مورثة للأجيال القادمة الحيرة والارتباك،وهو ما كنا نعيشه الآن وبفترة ربع قرن من الزمان.

هذا هو باختصار شديد ماضي الامة الصومالية،لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لما ذا لم يستطع صوماليو قرن زراعة القمر وعصر البركان العلمي ما استطاعه أجدادهم رعاة الإبل والماشية الذين لم يستطع الاستعمار خلق الحواجز بينهم فجازوا الحدود المستطنعة وأخيرا استطاعوا استعادة بعض مكتسباتهم المفقودة-ألا وهو الحرية-؟!

…ذاك هو السؤال الذي يطرحه على المتأمل للواقع الصومالي الدني منه والبعيد،بل والأنكى من ذلك أنه بدأت الآن قبل سنوات قليلة بخلق ما يمسى أقاليم الحكم الذاتي-الفيدارلية- والتي يقال كما هو منشور في الإطار النظري للدستور الجديد للدولة أن يكون لكل إقليم حكمه الذاتي يتمتع باستقلال اقتصاده وسياسته الداخلية دون التدخل من الحكومة المركزية أو الرجوع إليها في بت المسائل المهمة لهذا الاقليم،وهو ما ينبئ حكاية الثيران المختلفة اللون والاسد في الغابة؛وما يؤكد صحة ما ذهبنا إليه أن بعض دول الجيران بدأت تساورها نوايا افتتاح قناصل لها في بعض تلك الأقاليم حديثة النشأة…كما افتتحت قناصل في بعض الأقاليم قديمة التكوين من ذي قبل….

ونختتم بمقالنا هذا بمقولة لأحد سياسي صومال هذا العصر العضو في البرلمان الكيني السيد/فارح معلم..لافتا الأمة الصومالية أن مغازلة دول الجيران-أو دول التهديد كما يسميه البعض-لفت أن مغازلة هذه الدول للزعماء الصوماليين معناه ضرب بعضهم بالبعض الآخر تتصالح مرة مع زعيم إقليم ضد زعيم الإقليم الاخر إذا ضعف الأخير تسند بجانبه ضد الأول بغية تحطيم الكل بنفسه…وليس ولدول الجيران صداقة خاصة ودائمة لزعيم قبيلة خاصة ولفترة استراتيجية على الأقل…..

                               

                                            الباحث:عبدالرحمن أبوبكر(ليدو)

Share Your Comments

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.